ابن أبي الحديد
47
شرح نهج البلاغة
وأقسم : لئن وجده بعدها يمشى في أرض المدينة وما حولها ليقتلنه . وخرج عثمان فجهزه واشترى له بعيرا ، ثم قال : ارتحل . وسار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حمراء الأسد وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبي صلى الله عليه وآله ، ويأتي بها قريشا ، فلما كان في اليوم الرابع قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن معاوية أصبح قريبا لم ينفذ ، فاطلبوه . فأصابوه وقد أخطأ الطريق ، فأدركوه ، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ، فوجداه بالجماء ( 1 ) فضربه زيد بالسيف ، وقال عمار : إن لي فيه حقا ، فرمياه بسهم فقتلاه ، ثم انصرفا إلى المدينة بخبره ، ويقال : إنه أدرك على ثمانية أميال من المدينة ، فلم يزل زيد وعمار يرميانه بالنبل حتى مات . قال : ومعاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان . قال : وذكر الواقدي في كتابه مثل هذه الرواية سواء . قال البلاذري : وقال ابن الكلبي : إن معاوية بن المغيرة جدع أنف حمزة يوم أحد وهو قتيل ، فأخذ بقرب أحد ، فقتل على أحد بعد انصراف قريش بثلاث ، ولا عقب له إلا عائشة أم عبد الملك بن مروان . قال : ويقال إن عليا عليه السلام هو الذي قتل معاوية بن المغيرة ( 2 ) . قلت : ورواية ابن الكلبي عندي أصح ، لان هزيمة المشركين كانت في الصدمة الأولى عقيب قتل بنى عبد الدار أصحاب الألوية ، وكان قتل حمزة بعد ذلك لما كر خالد بن الوليد الخيل من وراء المسلمين ، فاختلطوا وانتقض صفهم ، وقتل بعضهم بعضا ، فكيف يصح أن يجتمع لمعاوية كونه قد جدع أنف حمزة ، وكونه قد انهزم مع المشركين في الصدمة الأولى ! هذا متناقض ، لأنه إذا كان قد انهزم في أول الحرب استحال أن يكون
--> ( 1 ) الجماء ، تطلق على ثلاثة مواضع بالمدينة . ( 2 ) أنساب الأشراف 1 : 337 ، 338 مع تصرف واختصار .